سيد قطب
1946
في ظلال القرآن
الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم . . وهذا بدوره يحدد طبيعة الدور الأساسي لطلائع البعث الإسلامي ، والمهمة الأساسية التي عليها أن تقوم بها للبشرية ؛ ونقطة البدء الحاسمة في هذه المهمة . إن على هذه الطلائع أن تبدأ في دعوة البشرية من جديد إلى الدخول في الإسلام كرة أخرى ، والخروج من هذه الجاهلية النكدة التي ارتدت إليها . على أن تحدد للبشرية مدلول الإسلام الأساسي : وهو الاعتقاد بألوهية اللّه وحده ، وتقديم الشعائر التعبدية للّه وحده والدينونة والاتباع والطاعة والخضوع في أمور الحياة كلها للّه وحده . . وأنه بغير هذه المدلولات كلها لا يتم الدخول في الإسلام ؛ ولا تحتسب للناس صفة المسلمين ؛ ولا تكون لهم تلك الحقوق التي يرتبها الإسلام لهم في أنفسهم وأموالهم كذلك . وأن تخلف أحد هذه المدلولات كتخلفها جميعا ، يخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية ، ويصمهم بالكفر أو بالشرك قطعا . . إنها دورة جديدة من دورات الجاهلية التي تعقب الإسلام . فيجب أن تواجهها دورة من دورات الإسلام الذي يواجه الجاهلية ، ليرد الناس إلى اللّه مرة أخرى ، ويخرجهم من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده . . ولا بد أن يصل الأمر إلى ذلك المستوي من الحسم والوضوح في نفوس العصبة المسلمة التي تعاني مواجهة الجاهلية الشاملة في هذه الفترة النكدة من حياة البشرية . . فإنه بدون هذا الحسم وهذا الوضوح تعجز طلائع البعث الإسلامي عن أداء واجبها في هذه الفترة الحرجة من تاريخ البشرية ؛ وتتأرجح أمام المجتمع الجاهلي - وهي تحسبه مجتمعا مسلما - وتفقد تحديد أهدافها الحقيقية ، بفقدانها لتحديد نقطة البدء من حيث تقف البشرية فعلا ، لا من حيث تزعم ! والمسافة بعيدة بين الزعم والواقع . . بعيدة جدا . . ونقف الوقفة الأخيرة في هذا التعقيب الأخير أمام موقف الرسل الموحد من أقوامهم الذين أرسلوا إليهم . واختلاف هذا الموقف عند البدء وعند النهاية ؛ كما يعرضه قصص الرسل في هذه السورة : لقد أرسل كل رسول إلى قومه . وعند بدء الدعوة كان الرسول واحدا من قومه هؤلاء . يدعوهم إلى الإسلام دعوة الأخ لإخوته ؛ ويريد لهم ما يريد الأخ لإخوته من الخير الذي هداه اللّه إليه ؛ والذي يجد في نفسه بينة من ربه عليه . هذا كان موقف كل رسول من قومه عند نقطة البدء . . ولكن هذا لم يكن موقف أي رسول عند نقطة الختام ! لقد استجابت للرسول طائفة من قومه فآمنوا بما أرسل به إليهم . . عبدوا اللّه وحده كما طلب إليهم ، وخلعوا من أعناقهم ربقة الدينونة لأي من خلقه . . وبذلك صاروا مسلمين . . صاروا « أمة مسلمة » . . ولم تستجب للرسول طائفة أخرى من قومه . كفروا بما جاءهم به ؛ وظلوا في دينونتهم لغير اللّه من خلقه ؛ وبقوا في جاهليتهم لم يخرجوا منها إلى الإسلام . . ولذلك صاروا « أمة مشركة » . . لقد انقسم القوم الواحد تجاه دعوة الرسول إلى أمتين اثنتين : أمة مسلمة وأخرى مشركة ولم يعد القوم الواحد أمة واحدة كما كانوا قبل الرسالة . مع أنهم قوم واحد من ناحية الجنس والأرومة . إلا أن آصرة الجنس والأرومة ، وآصرة الأرض والمصالح المشتركة . . لم تعد هي التي تحكم العلاقات بينهم كما كانوا قبل الرسالة . . لقد ظهرت مع الرسالة آصرة أخرى تجمع القوم الواحد أو تفرقه . . تلك هي آصرة العقيدة والمنهج والدينونة . . وقد فرقت هذه الآصرة بين القوم الواحد ، فجعلته أمتين مختلفتين لا تلتقيان ، ولا تتعايشان ! ذلك أنه بعد بروز هذه المفارقة بين عقيدة كل من الأمتين ؛ فاصل الرسول والأمة المسلمة التي معه قومهم